عودة النازحين الى الخرطوم تصطدم بارتفاع جنوني في أسعار مواد البناء بالسودان
حين تتحول إعادة الإعمار من مشروع اقتصادي إلى اختبار لصلابة المجتمع، تصبح أسعار مواد البناء أكثر من مجرد أرقام؛ إنها مؤشر على قدرة دولة خارجة من حرب طويلة على استعادة وظائفها الأساسية. وفي السودان، حيث بدأت موجات العودة إلى المدن المدمرة تتسارع، تكشف تكلفة الترميم عن اقتصاد يعيد تشكيل نفسه تحت ضغط الندرة، وانهيار البنية التحتية، وتآكل القدرة الشرائية.
ففي شرق الخرطوم، تبدو آثار الحرب كأنها طبقة جديدة فوق المدينة: منازل بلا أبواب، متاجر مفتوحة على فراغها، وشوارع تحمل بصمات عامين من القتال والنهب. هذا المشهد ليس مجرد خلفية بصرية، بل سياق اقتصادي يفسر لماذا أصبحت إعادة بناء منزل واحد مشروعًا يفوق قدرة معظم الأسر. فأسعار مواد البناء قفزت بنحو عشرة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع النزاع، ما جعل الترميم الجزئي خيارًا اضطراريًا لا رغبة فيه.
وتتجلى هذه التحولات في قصص الأفراد. فتكلفة المرحلة الأولى من إصلاح منزل متضرر قد تصل إلى ما يعادل ألفي دولار، دون احتساب أجور العمالة. وفي مدينة تعيش في الظلام منذ أكثر من عامين، باتت الطاقة الشمسية—التي تتراوح تكلفتها بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف دولار—شرطًا أساسيًا للعودة، لا رفاهية. هذه الأرقام تكشف فجوة واسعة بين احتياجات السكان وقدرتهم على تمويلها، في اقتصاد فقد فيه الجنيه معظم قيمته الحقيقية.
ويؤكد تجار مواد البناء أن الأسعار لم ترتفع فقط بسبب تراجع الإنتاج أو تعطل النقل، بل نتيجة تراكم الرسوم والضرائب التي تضاعفت مرات عدة خلال الحرب. فطن الأسمنت المحلي، الذي كان في متناول معظم الأسر، يباع اليوم بما يعادل مئتي دولار، بينما تجاوزت أسعار الدهانات والمستلزمات الأخرى حاجز المليون جنيه. ومع ذلك، حافظت سلاسل التوريد المحلية على حد أدنى من الاستمرارية بفضل وجود المصانع في مناطق بعيدة نسبيًا عن خطوط القتال، خصوصًا في ولاية نهر النيل.
وفي عطبرة، المدينة التي أصبحت مركزًا لتموين العاصمة، يشير التجار إلى زيادة ملحوظة في الطلب خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاع إضافي قد يصل إلى ثلاثة أضعاف خلال العام الحالي. هذا النشاط يعكس رغبة متزايدة في العودة، لكنه يكشف أيضًا عن اقتصاد يعتمد على الطلب الفردي أكثر من اعتماده على خطط حكومية منظمة لإعادة الإعمار.
أما على المستوى الاجتماعي، فتظهر معاناة العائدين في تفاصيل الحياة اليومية. فالكثيرون يكتفون بترميم جزئي لمنازلهم، حفاظًا على ما تبقى من مدخراتهم لشراء أثاث نهب خلال الحرب. وتتحول العودة إلى تجربة نفسية بقدر ما هي اقتصادية، كما في قصة إحدى النازحات التي وثقها مراسل دولي، والتي وجدت منزلها قائمًا لكنه خاوٍ، محاطًا بحي فقد سكانه وملامحه. مشهد العودة بالنسبة لها كان أقرب إلى مواجهة مع مدينة لم تعد تعرفها، حيث تختلط مشاعر النجاة بالخوف من مستقبل لا يزال غامضًا.
وتعكس هذه التجارب الفردية واقعًا أوسع: فإعادة الإعمار في السودان لا تجري ضمن إطار مؤسسي واضح، بل عبر جهود مشتتة يقودها الأفراد، في ظل غياب شبكة أمان اقتصادية أو دعم حكومي منظم. ومع استمرار القتال في مناطق أخرى، تتزايد المخاوف من أن أي تقدم في إعادة البناء قد يظل هشًا، معرضًا للانتكاس مع تغير موازين القوى على الأرض.
وفي المحصلة، تكشف أسعار مواد البناء، وقصص العائدين، وحركة الأسواق، عن اقتصاد يعيش مرحلة انتقالية غير مستقرة، حيث تتداخل آثار الحرب مع محاولات استعادة الحياة. وإذا لم يُرافق هذا الحراك الشعبي مسار سياسي يضمن الأمن، وسياسات اقتصادية تعيد الثقة في العملة والنظام المصرفي، فإن إعادة الإعمار ستظل جهدًا فرديًا مكلفًا، لا مشروعًا وطنيًا قادرًا على إعادة تشكيل الخرطوم أو السودان على نحو مستدام.

0 Comments: