الأربعاء، 7 يناير 2026

تحرّك طفيف.. أسعار العملات مقابل الجنيه السوداني في السوق السوداء والبنوك

 

أسعار العملات

تحرّك طفيف.. أسعار العملات مقابل الجنيه السوداني في السوق السوداء والبنوك



حين تفقد العملة الوطنية صلتها بالاقتصاد الحقيقي وتصبح رهينة لمعادلات الحرب، يتحول سعر الصرف من مؤشر مالي إلى مرآة تعكس هشاشة الدولة وتآكل قدرتها على إدارة مواردها.وهذا هو المشهد الذي يطغى على السودان مطلع عام 2026، حيث يتجاور خطاب إصلاح نقدي طموح مع واقع سوق موازية تفرض قواعدها بلا منازع، بينما تستعد البلاد لموسم رمضاني يزيد عادة من الطلب على السلع المستوردة ويُسرّع دورات المضاربة.


في صباح الأربعاء 7 يناير، بدا أن سوق الصرف قد دخل مرحلة من السكون المقلق: لا انفراج في قيمة الجنيه ولا موجة جديدة من الانهيار، بل ثبات عند مستويات قياسية. فالدولار يُتداول في السوق غير الرسمية عند نحو 3750 جنيهاً للبيع، بينما تحافظ العملات الخليجية على أسعار تتجاوز عتبة الألف جنيه. وحده الجنيه المصري سجّل حركة طفيفة، لكنها لا تغيّر الصورة العامة لسوق يتعامل مع هذه المستويات بوصفها “الطبيعي الجديد”.

هذا الجمود يأتي في وقت يحاول فيه البنك المركزي، من مقره المؤقت في بورتسودان، تقديم رؤية إصلاحية لعام 2026. فالمؤسسة النقدية تتحدث عن ضبط نمو الكتلة النقدية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتوقعات بانحسار التضخم إلى متوسط 65%. غير أن هذه التقديرات تبدو أقرب إلى تمرين نظري إذا ما قورنت ببيانات المؤسسات الدولية: انكماش اقتصادي تجاوز 37% في 2023، انهيار في الإيرادات الضريبية، وتضخم فاق 245% نتيجة تمويل العجز بطباعة النقود. في اقتصاد تعمل أجزاء واسعة منه خارج سلطة الدولة، يصعب لأي سياسة نقدية أن تفرض إيقاعها.

تدهور الجنيه خلال السنوات الثلاث الماضية يلخص هذا التناقض. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، قفز سعر الدولار من 560 جنيهاً إلى 3750 جنيهاً، أي تراجع يفوق 570% في القيمة الاسمية. هذا الانهيار لا يرتبط فقط بالسيولة أو المضاربات، بل يعكس انهياراً أعمق في البنية الإنتاجية وسلاسل الإمداد، وتراجعاً حاداً في قدرة الدولة على جباية الضرائب أو ضبط حركة التجارة. ومع توسع اقتصاد الظل، باتت السوق الموازية هي التي تحدد السعر الفعلي للجنيه، فيما تكتفي البنوك بدور المتفرج.

وتزداد الصورة قتامة مع التصعيد الأمني الأخير في دارفور وكردفان، حيث حذّرت الأمم المتحدة من هجمات بطائرات مسيّرة على أسواق وقرى ومرافق صحية. هذه التطورات لا تبقى في نطاقها العسكري، بل تضيف أعباء مباشرة على الاقتصاد: تعطيل التجارة بين الأقاليم، اتساع موجات النزوح، وتراجع إضافي في قدرة الدولة على فرض الرقابة. وتشير دراسات حديثة إلى أن الحرب أنتجت أنماطاً اقتصادية متباينة بين المناطق، ما يجعل الحديث عن “سعر موحد للجنيه” أقرب إلى افتراض نظري منه إلى واقع قابل للتحقق.

أما حركة العملات اليوم، فتكشف ديناميكيات أوسع من مجرد مضاربات يومية. فارتفاع الطلب على الجنيه المصري والريال والدرهم يعكس اعتماداً متزايداً على الواردات من مصر والخليج، إضافة إلى بحث الأسر والتجار عن أدوات بديلة لحفظ القيمة. ومع استقرار العملات الخليجية فوق مستويات الألف جنيه، يبدو أن السوق قد تبنى بالفعل قاعدة تسعير جديدة.

لكن الأثر الأعمق لانهيار الجنيه يظهر في حياة السودانيين اليومية. فكل ارتفاع في الدولار يعني زيادة فورية في أسعار الغذاء والدواء والوقود، بينما تبقى الأجور ثابتة عند مستويات لا تواكب التضخم. وتشير تقديرات أممية إلى أن الحرب دفعت 11 مليون شخص إلى النزوح، وأدخلت ملايين آخرين في دائرة انعدام الأمن الغذائي. في مثل هذا السياق، يصبح سعر الصرف مؤشراً مباشراً على مستوى الجوع، لا مجرد رقم في لوحة إلكترونية.

ومع اقتراب موسم رمضان، ترتفع التوقعات بأن يشهد السوق موجة جديدة من الطلب على السلع المستوردة، ما قد يدفع الدولار إلى مستويات أعلى. وإذا استمرت الحرب وتواصل تآكل القاعدة الإنتاجية، فإن سيناريو تجاوز حاجز 5000 جنيه للدولار خلال 2026 يبدو أقرب إلى الاحتمال المنطقي منه إلى التوقع المتشائم.

في نهاية هذا اليوم، لا تعكس أسعار الصرف مجرد توازنات نقدية، بل تكشف عن اقتصاد يعيش تحت وطأة حرب طويلة، وعن مؤسسات تحاول رسم مسار إصلاح في بيئة لا تستجيب للأدوات التقليدية. فالجنيه السوداني لم يعد يُسعَّر وفق قوة الاقتصاد، بل وفق عمق الفراغ المؤسسي وطول أمد الصراع. وأي استقرار عند هذه المستويات ليس بداية تعافٍ، بل استراحة قصيرة فوق قمة الانهيار.

SHARE

Author: verified_user

0 Comments: